تاريخ الحركة الطلابية في تونس

بقلم: أبو الولــيـد – مناضل طلابي سابق

إن تحديد مفهوم الحركة الطلابية يبدأ بالحديث عن الجامعة التي ارتبطت بها الحركة الطلابية ارتباطا وثيقا باعتبارها تمثل الحيز الموضوعي الذي نشأت فيه وتطورت بمقتضى تطورها إلا أن الجامعة تمثل مؤسسة تعليمية ثقافية يمثل فيها الطلبة طرفا ضمن بقية الأطراف أما الحركة الطلابية فهي حركة اجتماعية تحررية رافضة وليدة عدة تناقضات يعيشها المجتمع تمتلك موقعا وموقفا ودرجة من التماسك يضمن لها وحدة الفعل وشمولية الموقف. فالحركة الطلابية بحكم نشأتها ضمن قطاع التعليم وما يعنيه دلك من كونها خارجة ومهمشة عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية لن تكون إلا خارج مركز القرار السياسي وهذه النشأة يتاح لها تحصيلا علميا ثقافيا معرفيا ييسر لها استشفاف الواقع وكشفه وفهم متطلباته ، لذلك كانت الحركة الطلابية تتميز بحرية المبادرة والفعل ذلك أنها غير خاضعة كليا لأسر العلاقات الاجتماعية بحكم شبابيتها أي تقلص التزاماتها الاجتماعية وبحكم مباشرتها للمعرفة وحصول عملية التثاقف. إن هذا الموقع الذي تتموقع فيه الحركة الطلابية والفاقدة بمقتضاه للقرار السياسي والمهمشة أيضا عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية تجعل للحركة الطلابية موقفا من الواقع الاجتماعي يمتاز بالرفض والنقد إذ أنها ترفض هذا الواقع بما هو معطى اجتماعي وثقافي وسياسي ساهمت في إرساءه السلطة وكرسته كممارسة واختيارات وهذا الرفض الذي تتميز به الحركة الطلابية ليس رفضا عفويا ومجرد ردود أفعال عفوية مشتتة بل هو رفض واع ومبد ئي يؤسس الحركة الطلابية ويعطيها مشروعية التواجد والنشأة ويكون نتيجة تقييم الواقع وفهمه في ضوء الزاد المعرفي الذي تتمتع به ، لذلك كان تاريخ الحركات الطلابية وتراثها تاريخ وتراث تجاربها النضالية ومحاولة إحرازها على مواقع متقدمة يتخلى بالمقابل عنها الواقع العقيم بما هو اختيار السلطة وميدان تجاربه . إن ذلك يرسم بكل وضوح أن الممارسة النضالية للحركة الطلابية ما كانت لتكون على تلك الصفة لولا وقوف هذه الحركات موقف الرفض والنقد للاختيارات التي كانت تسير المجتمع وتحدد بنيته وتحاول إعادة إنتاجه بعلاقاته الجائرة والمتخلفة. إن رفض الحركة الطلابية بما هو تحرك لها لا يتم انطلاقا من موقعها الاقتصادي كقوة غير منتجة أو كفئة لها طموحات بورجوازية , أي ليس المحدد في رفضها قاعدتها المادية الظرفية وإنما هو مخزونها المعرفي والفكري الذي يسهم بقسط كبير في تحديد وعيها الثوري هذا ويزكي إيمانها بعدالة قضيتها وبذلك تكون جزءا من كل في حركة واحدة من أجل إقامة مجتمع العدل والكرامة والحرية وهي بدلك تجد نفسها في خندق واحد مع قوى المجتمع التي تنشد التغيير . إن الحركة الطلابية انطلاقا من موقعها وبناءا على موقفها المتسم بالرفض لا بد لها لتجسم فعلها وإرادتها أن تكون متمتعة بحد أدنى من التوجهات العامة والمبادئ الكبرى حتى تضمن كلية الفعل وترابطه وتماسكه , فالطلبة كقطاع لا تنشأ بينهم حركة طلابية إلا إذا كان فعل الطلاب وتحركهم يرتكز على مبادئ عامة وأرضية مشتركة تخرج الفعل الطلابي من كونه فعلا فرديا لتؤطره ضمن حركة ا جماعية متماسكة . لذلك ولضمان الوحدة والفاعلية والترابط تسعى الحركة الطلابية دوما لإيجاد الأشكال المختلفة للتنظم والتماسك بما هي ضمانات نحو المزيد من الفاعلية في التحرك والفعل والمبادرة . إن الحركة الطلابية اليوم وخصوصا في المجتمعات التابعة لا زالت تمثل القوة الرافضة في أجلى مظاهرها , ذلك أنها تمثل القوة الواعية والمناضلة في سبيل التغيير عبر القطع مع التخلف وتحقيق العدل الاجتماعي والخروج من دائرة التسلط والهيمنة فهي التي لا تهادن الواقع بل تهدف إلى إحداث التغيير النوعي فيه ولقد لعبت الحركة الطلابية في تونس وعبر مسيرتها النضالية هدا الدور وجسدته حتى في أدق الفترات وأحرجها مما جعلها بحق حركة رافضة ولم تقف خصوصيات الواقع الطلابي جدارا يفصل بينها وبين الشعب وقضاياه بل جعلتها أكثر حساسية ويقظة فالتحمت بذلك في مسيرة النضال وعمقت التحامها به كان ذلك في فترة التحرر الوطني ومع دولة التحديث ولا زال مستمرا إلى اليوم برغم صعوبة الظرف وكثرة القمع المسلط على الجامعة. إن الحركة الطلابية اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى لتنظيم نفسها وتبوء مكانتها الطبيعية ضمن مهامها التاريخية الملقاة عل عاتقها حتى تجسد بذلك معارضتها ورفضها الواعي لكل أشكال إنتاج أو إعادة إنتاج مجتمع مفكك ومشوه تحكمه العلاقات الاستغلالية والسلطوية الجائرة وتسوده الثقافة الأسطورية والتغريبية المهيمنة حتى تجسد مساهمتها في بلورة المشروع الثقافي البديل وتغيير نظام العلاقات السائدة وبذلك تعلن انحيازها الواعي والمسؤول للقوى الرافضة في المجتمع والطامحة للتحرر والانعتاق وإنهاء استغلال الإنسان للإنسان وتحريره من قيود الجهل والظلم والاستبداد …

** الحركة الطلابية في تونس بين النشأة والمسيرة

الجامعة الزيتونية ونشأة الحركة الطلابية

قبل أن تنشأ الجامعة الحديثة بتونس بعد مرحلة الاستقلال كان جامع الزيتونة يشرف على جميع مؤسسات التعليم التقليدية بالبلاد بمستوياتها المختلفة وانتشرت فروعه في أغلب مناطق البلاد حيث تقوم بتأهيل الناجحين منهم للالتحاق بالجامعة الزيتونية بالعاصمة وفروعها بالوسط والجنوب وكان الجامع يمنح لتلاميذه وطلبته شهائد تخرجهم في جميع مستويات التعليم ، ومن جامعة الزيتونة كان يتخرج المعلمون والأساتذة والدعاة والقضاة والعلماء كما تعتبر جامعة الزيتونة أقدم وأعرق جامعة تأسست بالعالم الإسلامي حيث يعود بناؤها إلى فترة الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا واليها كان يشد الرحال لطلب العلم من مشرق العالم الإسلامي إلى مغربه . ولقرون طويلة كان الجامع يتصدى لمهمة التدريس لكل ما تعلق بالأدب واللغة والتشريع من فقه وأصول وحديث وكل ما اتصل من علوم بفهم الإسلام وأصوله وتطوير الاجتهاد ونشر الدعوة وقد كانت مسيرته حافلة بما تركه علماؤه قديما وحديثا من بصمات في الفقه والأصول والتفسير فمنه تخرج العلامة ابن خلدون والإمام ابن عرفة وغيرهم من كبار العلماء وحديثا أدركنا نخبة من علماء الزيتونة يعدون من كبار علماء العصر في المجال الشرعي مثل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي قام بتطوير علم أصول الفقه والشيخ الخذر الذي تولى إمامة جامع الأزهر والشيخ محمد الفاضل بن عاشور والشيخ عبد العزيز جعيط والشيخ محمد صالح النفير والكثير من العلماء المشهود بفضلهم وكفاءتهم . والى جانب دوره العلمي فقد تحمل جامع الزيتونة مسؤوليته الوطنية في مواجهة الاستعمار والدفاع عن الوطن والشعب والمحافظة على هوية البلاد وساهم علماؤه وطلبته بالقسط الأوفر من العمل على نيل الاستقلال عبر قيادة الجهاد المسلح ضد الاستعمار والمظاهرات وحملات التوعية والعمل السياسي الذي كان من أكبر قادته الشيخ عبد العزيز الثعالبي وقد عمل جامع الزيتونة على المحافظة على استقلاله في فتاويه ومناهج تدريسه عن سلطة الحكام عبر إيجاده آلية للتمويل الذاتي تجعله بعيدا عن الارتهان لأي جهة قد ترى لنفسها الفضل عليه فاعتمد ما يسمى بنظام الأحباس وهو حبس عقارات وأموال ومؤسسات لحساب الجامع إلى جانب ما يتبرع به الخيرون من أبناء الشعب .

وسط الجامعة الزيتونية بالعاصمة وداخل الوسط الطلابي تأسست – لجنة صوت الطالب- الزيتوني لتعبر عن نفسها كأول حركة نقابية بالجامعة التونسية لتحقق طموح الطلبة آنذاك في التنظم والفعل والدفاع عن حقوقهم والعمل على تطوير مناهج التعليم بالجامعة ومؤازرة الحركة الوطنية في مواجهة الاستعمار، فالجامعة الزيتونية مثل كل الجامعات التقليدية كانت في أمس الحاجة إلى عملية تحديث وتطوير لبرامج تدريسها ومناهجها لتشمل العلوم الحديثة ولقد ساهمت لجنة صوت الطالب الزيتوني في دفع الإدارة إلى إدخال جزء من هذه الإصلاحات على مناهج التعليم الزيتوني في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات وسعت الجامعة بمقتضاها تدريس الرياضيات والفيزياء والكيمياء . والى جانب انشغالها بهموم الطلبة المعيشية والتعليمية فقد قادت لجنة صوت الطالب الزيتوني حملات التوعية والمظاهرات وتجنيد الطلبة والشباب للالتحاق بالعمل المسلح ضد الاستعمار مما جعل أعضاءها عرضة للاعتقالات والمطاردة من طرف الاستعمار ومحاولات الاحتواء والتصفية من طرف ميليشيات الحزب الحر الدستوري الذي كان يتزعمه الحبيب بورقيبة في إطار سياسة ضرب الحركة الطلابية ممثلة في لجنة صوت الطالب الزيتوني وضرب كل خصومه السياسيين في معركته من أجل فرض الحكم الذاتي على الأطراف الوطنية عبر التفاوض مع المستعمر. وأمام فشل سياسة الاحتواء واستعصاء خصومه بالجامعة الزيتونية عمد الحزب الدستوري إلى بعث ما سمي بالاتحاد العام لطلبة تونس بفرنسا سنة 1952 على يد منصور معلى. ولئن حظي هذا الاتحاد باعتراف المستعمر فانه لم يحض باعتراف الطلاب في تونس ويفسر هذا الرفض بتوجه الاتحاد المساند لسياسة الحزب الدستوري قبل الاستقلال وبعد مسكه بزمام السلطة بالبلاد ويظهر ذلك بوضوح في مواقفه ومقرراته التي أصدرها عبر بياناته ولوائحه كما أن هذه السياسة التي انتهجها حزب بورقيبة في التعامل مع خصومه السياسيين عبر التصفية وإيجاد المؤسسات الموازية ظلت من ثوابت هذا الحزب قبل حصوله على السلطة وطوال خمسين سنة من ممارسته لها . مرحلة الاستقلال وتصفية الجامعة الزيتونية

عرفت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تحولات كبيرة لصالح تصفية الاستعمار المباشر دفع الرئيس الأمريكي آنذاك في اتجاهها وآزره توجه الدول الأوروبية المتصدرة لاستعمار الشعوب كفرنسا وبريطانيا إلى إعادة بناء نفسها بعد خروجها منهكة من الحرب العالمية الثانية, وقد حرصت فرنسا قبل خروج جيوشها من المستعمرات على تسليم السلطة فيها إلى نخب درست وتكونت بجامعاتها وتأثرت بثقافتها بعد مفاوضات تضمن حماية مصالحها وثقافتها من بعدها , ولقد صنعت فرنسا في هذا الإطار وفي تلك المرحلة أغلب زعامات مستعمراتها في القارة الإفريقية . ومن ضمن هذه الزعامات المفتونة بفرنسا جاء الحبيب بورقيبة كأول رئيس للبلاد . كان بورقيبة شديد التأثر بالحضارة الغربية وبتجربة الزعيم التركي كمال أتاتورك الذي أزاح الخلافة الإسلامية في تركيا سنة 1924 كما كان بورقيبة لائكيا متطرفا بدأ أولى خطواته في السلطة بغلق الجامعة الزيتونية وفروعها وحرمان خريجيها من حق الوظيفة والمناصب بالدولة الحديثة التي جعلها حكرا على خريجي المدارس الفرنسية إلا من دان له بالولاء وسجن الكثير منهم وشرد البقية إلى مصر وسوريا والجزائر وعدة دول عربية أخرى . كانت سنة 1956 تاريخ إعلان بورقيبة وحزبه إلغاء الجامعة الزيتونية وغلقها إلا أن عملية الغلق النهائي للجامعة وكل فروعها كانت تدريجية وتواصلت إلى سنة 1959 . لقد كانت الغاية من وراء غلق الجامعة الزيتونية مزدوجة أولها ضرب الحركة الطلابية في مرحلة أولى وهي القلعة التي استعصى على الحزب اختراقها أو ضمها إليه والتمهيد لسياسة تعليمية جديدة تتسق مع توجهات النظام السياسي الجديد وثانيها خشية بورقيبة الشديدة من وجود زعامات شعبية وعلماء بالبلاد يؤمنون بدور الإسلام في بناء الدولة وقيادة المجتمع فقام بهذه الخطوة لقطع الطريق على الزيتونة وخريجيها من أن يكونوا حجر عثرة أمام مشروعه التغريبي للبلاد , لقد أراد بورقيبة أن يوفر ظروفا ملائمة ليجعل من تونس نسخة من فرنسا فقد كان يرى أن الإسلام وتراث المسلمين لا يملكان القدرة على إنتاج حداثة وإحداث تقدم وحضارة في العصر الحديث ولذلك كان قراره أن يبقى الدين مجرد شعائر للعبادة وإيمانا محله القلب وقد شمل هذا الخيار كل مناحي الإدارة والتعليم والقضاء والسياسة والاقتصاد .

الجامعة الحديثة بين توجهات السلطة وإفرازات الواقع

لئن كانت حاجة البلاد ملحة في بناء جامعة حديثة تستوعب التطور النوعي لمجالات كثير ة من العلوم تعد ضرورية لبناء نهضة المجتمع في جميع المجالات تواكب التطورات التي حدثت في المجتمعات الغربية فان غلق الجامعة الزيتونية لم يكن له تبرير منطقي, فوجودها لا يتعارض مع توسيع دائرة العلوم بالجامعة وكان بالإمكان إدماجها باعتبارها مؤسسة تعنى باختصاصات العلوم الشرعية لتصبح جزءا من الجامعة الحديثة مثلما فعلت مصر مع جامعة الأزهر وتجارب الدول الإسلامية في تعاملها مع مؤسسات التعليم الديني بعد حصولها على الاستقلال , كما كان بالإمكان البحث في تطوير مناهجها وإدخال الإصلاحات الضرورية عليها وهو مطلب كان مطروحا داخل الجامعة نفسها , إلا أن خيار الغلق كان قرارا محسوما عند بورقيبة حتى قبل وصوله للسلطة. وسط هذا التوجه للدولة بالبلاد تأسست الجامعة التونسية الحديثة على أنقاض الجامعة الزيتونية في نهاية الخمسينات وبداية الستينات لإرساء سياسة تعليمية جديدة تتسق مع توجهات النظام السياسي الجديد وتجلى ذلك في مشروع إصلاح التعليم الذي قدمه محمود المسعدي وزير التربية سنة 1958 . ظهرت الجامعة الوليدة نسخة من الجامعات الفرنسية في برامجها ومناهجها ولغة تدريسها ولم تكن حاجة النظام الجديد للاستعانة بالخبرات الفرنسية في بداية بناء الدولة هي الضرورة التي ألجأته مرحليا إلى هذا التوجه بل كان خيارا لبورقيبة ونظامه بدليل المواصلة في هذا التوجه التغريبي حتى بعد امتلاك القدرة على إصلاح منظومة التعليم بما يخدم المصلحة الوطنية وينسجم مع هوية البلاد . الجامعة التونسية الوليدة لم تكن لتنأى بنفسها عن تأثيرات محيطها الدولي فتأثرت بالصراعات الدولية القائمة آنذاك وبالتحولات الكبيرة التي شهدها المحيط العربي والإسلامي والدولي , لقد كان المد الشيوعي بأفكاره ونظرياته وأطروحاته يكتسح مناطق عديدة من العالم ويؤجج صراعات كثيرة فكرية وسياسية وعسكرية وكانت جامعات العالم إحدى هذه المناطق التي اكتسحها المد الشيوعي بما فيها الجامعات الغربية معقل النظام الرأسمالي ذاته , والجامعة التونسية لم تكن نشازا فقد تأثرت بالأفكار الجديدة الواردة من الاتحاد السوفييتي والصين وأوروبا الشرقية وبدأت تظهر بها تيارات شيوعية مختلفة توحدها المبادئ العامة وتفرقها التفاصيل , فالتيار الشيوعي بالوسط الطلابي لم يكن متجانسا ولا موحدا بل كان يعكس صورة الاختلافات القائمة في المعسكر الشيوعي بين المراجع الأساسية للنظرية الشيوعية وواضعيها مثل كارل ماركس وفريد يريك أنقلز وفيورباخ وغيرهم وواضعي التعديلات من زعماء الحركة الاشتراكية مثل لينين وستالين وماوتسيتونغ وأنور خوجة وغيرهم والاختلافات القائمة بين هؤلاء الزعماء أنفسهم لاختلاف بيئة تنزيل النظرية والاجتهاد في تطبيقها.;

إلا أن هذه الاختلافات كانت سياسية بالأساس ولم تكن تطال الأصول النظرية للشيوعية ونشأت بين زعماء حاولوا إنزال النظرية إلى الممارسة في بناء الدولة الاشتراكية لذلك كان موقفهم موحدا من الدين باعتباره عندهم – أفيون الشعوب – حسب تعريف كارل ماركس . وتبعا لذلك كانت فصائل اليسار بالجامعة التونسية موحدة في نظرتها وتعاملها مع الإسلام واعتبروه في أدبياتهم خرافة يتعين محاربتها ونعتوا أتباعه بالرجعية والتخلف والجهل فكانت محاربة الإسلام نظريا ومظاهر التدين والمتدينين عمليا من المهام الأساسية التي تبنتها ومارستها هذه التيارات داخل الجامعة في مرحلة الستينات . لكن رغم التقاء اليسار بالجامعة وخارجها مع بورقيبة في لائكيته وقناعته بإبعاد الدين عن الدولة ومجال الحياة العامة فقد كانت هذه النخب متحمسة لخيارات راديكالية داخل المعسكر الاشتراكي ولذلك ظلت خارجة عن نفوذ السلطة وأدخلت للجامعة التونسية الحديثة تقاليد في العمل السياسي المعارض . وفشل بورقيبة في إخضاع الجامعة كليا لسلطته ونفوذ حزبه كما فشل قبلها في إخضاع الحركة الطلابية بالجامعة الزيتونية . ورغم تحول الجامعة في ظل سيطرة التيارات اليسارية عليها إلى منطقة متمردة عن سلطة بورقيبة إلا أن هذه التيارات ظلت ضعيفة متشرذمة واحتكرت لنفسها الحق في العمل السياسي دون غيرها واجتهدت في إقصاء كل من يحاول التعبير عن نفسه خارج مرجعيتها.وكانت كتلة آفاق اليسارية بالجامعة في تلك الفترة من أهم التشكيلات السياسية اليسارية والتي كان لها دورا مميزا في آخر حكم بورقيبة وفترة حكم بن علي في دفع السلطة نحو المواجهة الشاملة مع الاسلاميين وهيمنوا على الحياة الثقافية بالبلاد في ظل اقصاء وضرب الطرف الإسلامي وعملوا مع السلطة على محاولة تجفيف منابع التدين بالبلاد وقد تقلد العديد منهم عدة وزارات ومستشارين لبورقيبة وبن علي ومنهم الصادق شعبان ومحمد الشرفي ومنصر رويسي وعبد العزيز بن ضياء …

.أزمة التمثيل النقابي بالجامعة التونسية

أما على المستوى النقابي فان التجربة النقابية بالجامعة التونسية كانت مبكرة إذا قسناها بالجامعات في الوطن العربي فقد خاض طلبة الجامعة الزيتونية منذ الأربعينات تحركات متعددة من أجل تحسين ظروفهم المادية والتعليمية أو للتحسيس بوضعيتهم المتردية إلا أن تحركاتهم اصطبغت بصبغة عفوية ومطلبيه بحتة إلى أن تأسست لجنة صوت الطالب الزيتوني وسط ظروف ملحة دفعت إلى هذا الانجاز منها توسع جامعة الزيتونة وفروعها والنمو المتزايد لعدد طلبتها حيث بلغ خمسة عشر ألفا بين سنوات 1945 و 1950 إضافة إلى نضج الوعي السياسي والنقابي ومحدودية فاعلية العمل العفوي وتصاعد الكفاح المسلح داخل الحركة الوطنية . هذه التجربة النقابية التي كانت نابعة من إرادة الطلبة وداخل الجامعة التونسية وقعت تصفيتها مع تصفية الجامعة الزيتونية وأما الاتحاد العام لطلبة تونس فقد أنشأه الحزب الدستوري أي حزب بورقيبة سنة 1952 في فرنسا على يد منصور معلى بعيدا عن الجامعة التونسية وعن جموع الطلبة وإرادتهم مما يجعل نشأته محاطة بغموض كبير خاصة عندما سارع الاستعمار للاعتراف به منذ الإعلان عنه في الوقت الذي يطارد فيه هذا المستعمر مناضلي صوت الطالب الزيتوني ويقوم بتصفيتهم كما أن هذا الاتحاد فاقد لشرعية التمثيل منذ نشأته لأن الأصل أن ينشأ من يمثل الطلبة داخلهم وبإرادتهم واختيارهم وليس في جامعات غير جامعاتهم وبلد غير بلدهم وإرادة غير إرادتهم فبقي هذا الاتحاد هيكلا صوريا يحضى باعتراف المستعمر واعتراف السلطة بعد الاستقلال ولم يحظ باعتراف الطلاب في تونس باستثناء الشيوعيين لذلك كان الرصيد الطلابي لهذا الهيكل هزيلا, وكان حضوره قويا عبر وسائل الإعلام ضعيفا لدى الطلبة بغيضا إلى نفوسهم كغيره من المنظمات الرسمية في البلاد . ولم يكن الشيوعيون يتحرجون من العمل مع طلبة الحزب الدستوري داخل الاتحاد العام لطلبة تونس بل كانوا يأملون في افتكاكه وغابت عنهم طبيعة التوجه الأحادي الاقصائي لدى الحزب الحاكم . لقد كانت سنة 1971 بالنسبة للتيارات اليسارية التي راهنت على العمل داخل الاتحاد العام لطلبة تونس و افتكاكه من الحزب الحاكم سنة اكتشاف للطبيعة الحقيقية لشريكهم في الاتحاد فقد عمد الحزب الحاكم في المؤتمر الثامن عشر للاتحاد بقربة إلى السيطرة على المؤتمر بميليشياته وتنصيب قيادة تابعة له بالقوة مما دفع التيارات اليسارية إلى اعتبار المؤتمر باطلا ونصبت بدورها ما أسمته بالهياكل النقابية المؤقتة إلى حين توفر الظروف الملائمة لانجاز المؤتمر الثامن عشر الخارق للعادة بديلا لمؤتمر قربة إلا أن هذه الحادثة مثلت فعليا نهاية الاتحاد العام لطلبة تونس من الجامعة التونسية , وظل المؤتمر المراد عقده معلقا لعقدين من الزمن دون انجاز وبقي اليسار يتصارع على تنصيب ما يسميه بالهياكل النقابية المؤقتة مما زاد في تعميق الاختلافات والتشرذم داخل صفوفه . وعلى رغم غياب الأداة النقابية المؤطرة بالجامعة التونسية فقد تواصلت نضالات الطلاب وتحركاتهم لعل أهمها التحركات التي سجلت سنة 1967 التي أعقبت هزيمة الجيوش العربية في الحرب مع إسرائيل . لكن الحاجة كانت ملحة لوجود هيكل نقابي يمثل الطلبة تمثيلا حقيقيا ويوحد جهودهم في الدفاع عن مصالحهم.

نهاية الستينات وبداية التحولات الكبرى بالجامعة التونسية

ظلت التيارات اليسارية تسيطر على الجامعة طيلة فترة الستينات , إلا أن تواجدها بالمؤسسات الجامعية ذات الاختصاصات العلمية كان ضعيفا قياسا مع تواجدها بكليات الآداب والحقوق وكان التواجد الإسلامي ضعيفا لافتقاده للأداة التنظيمية والطموح السياسي وواجهه اليسار بالإقصاء وعدم القبول , وقد مثلت السنوات الأخيرة من الستينات بداية تحول للخارطة السياسية بالجامعة مع ظهور التيارات القومية والتيار الإسلامي في خطواتها الأولى للبحث عن مكان لها بالجامعة , ولم يكن واقع الجامعة وخريطتها السياسية بمعزل عن محيطها الدولي والعربي فكما ساهم المد الشيوعي وظروف الصراع الدولي في وجود وتنامي التيارات اليسارية بالجامعة فقد ساهم تأجج الصراع العربي الإسرائيلي والتحولات السياسية داخل الوطن العربي بعد سلسلة الانقلابات العسكرية التي قادها القوميون في العديد من البلدان العربية في ظهور التيارات القومية بالجامعة , إلا أن هذه التيارات التي جمعها التبشير بالوحدة العربية فرقتها الولاءات لأنظمة عربية مختلفة في الرؤية والبرامج مما جعل طموحها في تغيير الخارطة السياسية بالجامعة ضعيفا. أما التيار الإسلامي فقد بدأ أولى خطواته بالجامعة في البحث عن نشر وتعميق ظاهرة التدين وتعميق الولاء للإسلام دون حرص كبير منه على امتلاك أو طرح مشروع سياسي يعبر عن ذاته. إلا أن هذا التيار بدأ يتنامى تناغما مع صحوة بدأت تظهر بالبلاد فقد ظهرت الجماعة الإسلامية في تونس في أواخر الستينات وسط مناخ اتسم بأوج نجاح سياسة الرئيس بورقيبة في تغريب البلاد فانتشرت مظاهر العراء والانهيار الأخلاقي وخلت المساجد من روادها إلا من شيوخ في أرذل العمر وقد شجع هذا المناخ بورقيبة على التجرؤ على الإسلام علنا في مناسبات عديدة , ولم يكن يحسب أن سياساته المستفزة للشعور الإسلامي ستكون الدافع نحو تبلور صحوة إسلامية متجذرة تدافع عن الإسلام وتتبناه مرجعية في كل مناحي الحياة . لكن ظهور هذه الحركة في تلك الظروف جعل اهتمامها أساسا يتركز على محاولة إصلاح ما أفسده بورقيبة والاستعمار وعصور الانحطاط من انحرافات عديدة في معتقدات الناس وأخلاقهم وعاداتهم والتوجه إلى الدعوة للفهم الصحيح للإسلام وترسيخ التدين في المجتمع . ولئن كانت نهاية الستينات مرحلة إعلان الاسلاميين عن وجودهم بالجامعة فقد مثلت فترة السبعينات مرحلة النضال من أجل تثبيت هذا الوجود ومرحلة التطور التدريجي في الاهتمامات ونوعية الخطاب والتوجهات ومحاولة فرض حقهم في التعبير عن أنفسهم في الاجتماعات الطلابية والمعلقات وتوسيع اتصالهم بالطلبة للتعريف بأنفسهم والدعوة لأفكارهم وواجه اليسار هذا التيار الجديد بالعصي والسلاسل لمنعه بالقوة من حقه في التواجد بالجامعة وحقه في التكلم في الاجتماعات وتعليق كتاباته للطلبة إلا أن هذا التوجه نحو التصفية من طرف الفصائل اليسارية لم يحقق أهدافهم في طرد الاسلاميين من الجامعة وواجهه الإسلاميون بإصرار كبير على التواجد بكل ثمن مما زاد في اقتناع الطلبة بآرائهم والالتفاف حولهم ومهد المناخ لصعودهم وبداية نهاية نفوذ اليسار في الوسط الطلابي .

نجح الإسلاميون في استثمار عشرية السبعينات لتوسيع ظاهرة التدين بالبلاد كما نجحوا في تطوير خطابهم الدعوي البسيط إلى خطاب سياسي ناضج يبشر ببديل إسلامي قادر على بناء المجتمع والدولة . وبدأ الخطاب الإسلامي في الجامعة يطرح مشروع التنظم الطلابي وإرساء أسس جديدة للتعايش السياسي بين كل الأطراف في الجامعة, ولقد كان لنجاح الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 تأثيرا كبيرا على مجمل الحركات الإسلامية في العالم وزاد في ثقتها في حتمية نجاح خياراتها والتفاف الشعوب حولها وكان لهذا الدفع المعنوي الكبير صداه على مستوى الخطاب الإسلامي بالجامعة والبلاد . وكما ساهم نجاح الثورة الايرانية في ترسيخ الثقة لدى الحركات الإسلامية في إمكانية نجاح مشروعها في التغيير فقد ساهم نجاحها أيضا في تزايد خوف الأنظمة العربية من هذه الحركات وخاصة نظام بورقيبة الذي قرر استئصال الحركة الإسلامية عبر الخيار الأمني سنة 1981 فشن حملة اعتقالات سياسية واسعة ونصب المحاكم العسكرية والمدنية للانتقام من الاسلاميين عبر إصدار أحكام انتقامية طويلة لرموزها وأبنائها في محاكمات تاريخية أضرت بصمعته وعرفت بالإسلاميين داخل البلاد وخارجها وجلبت لهم تعاطفا شعبيا كبيرا فجاءت سياسة المحاكمات والخيار الأمني بنتائج معاكسة لما رغب فيه بورقيبة ونظامه .

الإسلاميون ومرحلة الثمانينات

بدأ الإسلاميون مرحلة الثمانينات في الجامعة بخطاب سياسي أكثر حماسا ووضوحا مما أشر لتحول نوعي في وعي هذا التيار وخياراته. وقد بدأت عشرية الثمانينات بصراع مفتوح مع نظام بورقيبة بعد محاكمات 1981 مما جعل خطاب الاسلاميين أكثر راديكالية تجاه السلطة وباحثا عن مناخ جديد بالجامعة يوفر الحرية للجميع ويمهد لعملية تنظم طلابي ينهي حالة الضعف بالجامعة ويعطي مزيدا من القوة للحركة الطلابية للدفاع عن مصالحها والدفاع عن مؤسسات المجتمع المدني والفئات الضعيفة من طغيان النظام الحاكم . أصبح التيار الإسلامي بالجامعة والبلاد يعلن عن نفسه باسم حركة الاتجاه الإسلامي وبدأ في الجامعة يدافع عن حق جميع الطلبة تيارات وأفراد في التعبير عن آرائهم بكل حرية دون اقصاء أي طرف إلا ما عرف تقليدا للحركة الطلابية بعدم السماح لطلبة الحزب الحاكم بالنشاط في الساحة الطلابية وقد بدا هذا التقليد كردة فعل على الإقصاء والقمع الذي تمارسه السلطة على المعارضة في الساحة السياسية بالبلاد ومعاملة بالمثل . وقد تعاملت الأطراف السياسية منذ السبعينات على اعتبار الجامعة أرضا محررة من نفوذ السلطة وهذه الرؤية لدى كل الأطراف السياسية على اختلافها جعلت من الجامعة رأس حربة في مجابهة سياسات السلطة الجائرة تجاه المجتمع.

وكما بدأت مرحلة الثمانينات بهلع السلطة من توسع التيار الإسلامي وتنامي نفوذه داخل المجتمع فان التيارات اليسارية بالجامعة أيضا أصابها الهلع من تعاظم نفوذ الاسلاميين بالجامعة فحاولت اغتنام حملات التصفية التي تشنها السلطة على الاسلاميين لتوجيه ضربة رادعة بالجامعة قد تمهد لإخراج الاتجاه الإسلامي منها وقرروا التصفية الجسدية للإسلاميين في كلية الآداب بمنوبة سنة 1982 في ما عرف بمجزرة منوبة استعمل اليسار فيها العصي والسلاسل والسكاكين , لكن الاسلاميين دافعوا عن أنفسهم وقلبوا موازين المعركة لصالحهم مما دفع السلطة للتدخل بقوات أمنها واعتقلت مجموعة منهم قدمتهم لمحاكمات جائرة وصلت حدود العشر سنوات على بعضهم مثل الطالب- بشير الدغبوجي- ومثلت هذه الحادثة نقطة الاعودة في التحول بالجامعة من قيادة اليسار إلى قيادة الاسلاميين وأنهت جرأة اليسار عليهم .

إلا أن الجامعة رغم حيويتها ونشاطاتها السياسية الكثيفة والمتنوعة ظلت تفتقد الإطار الذي يجمع الطلبة ويوحد جهودهم في الدفاع عن مصالحهم وتحسين أوضاعهم المعيشية ومواجهة تعسف الإدارة وسلطة الإشراف وقد زاد فراغ الساحة من هذه الأداة في تراكم المشاكل داخل المؤسسات الجامعية مما جعل التفكير في إيجاد صيغة للتنظم والفعل مطلبا ملحا تبنته عدة أطراف طلابية أولها الاتجاه الإسلامي وبعض فصائل اليسار والتيارات القومية وأطراف مستقلة وقد قاد هذا التوجه إلى انجاز الاتحاد العام التونسي للطلبة وإحداث تغيير نوعي داخل الحركة الطلابية

المؤتمر العام للحسم وبناء الاتحاد العام التونسي للطلبة

شهدت السنوات الجامعية 83/1984 و84/1985 أكبر حراك طلابي في تاريخ الجامعة التونسية من أجل الحسم النهائي في عملية التنظم بحوارات مفتوحة داخل المؤسسات الجامعية وندوات واجتماعات وتجمعات طلابية مسحت أشهرا طويلة من الجدل في قراءة تاريخ الحركة الطلابية وآفاق التجاوز. وقد تقرر على إثرها الرجوع للطلبة في استفتاء تاريخي للنظر في مدى تأييدهم الذهاب نحو انجاز مؤتمر عام للحسم يحسم في خيار إعادة بناء الاتحاد العام لطلبة تونس كما ترى بعض أطراف اليسار برغم ما أحاط نشأته وتاريخه من شبهات , أو خيار انجاز نقابة طلابية جديدة عبر قراءة تعتبر أن الاتحاد العام لطلبة تونس لم يصنعه الطلبة حتى يكون أداة لتنظمهم وأن تاريخه يشهد أنه كان أداة الحزب الحاكم لاحتواء وتدجين الحركة الطلابية وليس لخدمتها, وأن أزمة التمثيل النقابي بالجامعة لم تبدأ في المؤتمر الثامن عشر للاتحاد العام لطلبة تونس بل إن هذا المؤتمر وسنة 1971 بالذات إنما يشكلان بداية الانفراج بإعلان الشيوعيين القطيعة التنظيمية مع الحزب الحاكم وطرده من العمل بالجامعة , وإنما أزمة التمثيل النقابي حسب هذه القراءة تعود بداياتها إلى السنوات التي استلم فيها حزب الدستور السلطة في البلاد وبالتحديد إلى سنة 1956 التي ألغيت فيها الجامعة الزيتونية رسميا وصفيت فيها لجنة صوت الطالب الزيتوني .

أفرز الاستفتاء إمضاء أكثر من خمسين في المائة من الطلاب على عريضة تؤيد عقد مؤتمر عام للحسم ووقع انتخاب ممثلي الطلبة داخل الأجزاء الجامعية لتمثيلهم في مؤتمر الحسم الذي وقع انجازه في 18/19/20 أفريل 1985 تحت إشراف تحالف الوحدة النقابية الذي ضم كلا من الاتجاه الإسلامي والنقابيين الديمقراطيين والإسلاميين المستقلين واليسار المستقل وقد مثل هدا الانجاز نقلة نوعية داخل الساحة الجامعية باعتباره أرقى صيغ الحسم الجماهيري الديمقراطي بين مختلف الأطروحات النقابية حيث مثل الانجاز كسبا تاريخيا للحركة الطلابية .وقد قرر المؤتمر إنشاء منظمة نقابية جديدة قام بسن قوانينها وبناء أجهزتها في أكبر انجاز في تاريخ الحركة الطلابية وأضخم انجاز شعبي في تاريخ البلاد بعد الاتحاد العام التونسي للشغل , وأعلن مؤتمر الحسم عن ولادة الاتحاد العام التونسي للطلبة كأول منظمة طلابية فعلية بعد صوت الطالب الزيتوني تفرز عن طريق انتخابات حرة ونزيهة لممثلي الطلبة داخل المؤتمر تدافع عن مصالح عموم الطلبة دون اعتبار انتمائهم السياسي ولونهم الحزبي كما تتبنى الدفاع عن مصالح كل الطلبة التونسيين بالداخل والخارج وعن مصالح الطلبة الأجانب بالبلاد . رفضت السلطة الاعتراف القانوني بالاتحاد وأحدث الانجاز الجديد بالجامعة ضغطا كبيرا عليها بعد أن تمكنت الحركة الطلابية من تجاوز واقع التشتت وانجاز الأداة التنظيمية القادرة على الدفاع عن مصالحها بعد ثمان وعشرين سنة من غياب هذه الأداة . فالحركة الطلابية كانت حتى في غياب التمثيل المؤطر والفاعل حركة مناضلة أعلنت وقوفها الدائم ضمن الصف المعارض لنظام الحكم ورفضها لمحاولات الهيمنة والوصاية سواء كان ذلك من قبل الحزب الحاكم أو من قبل الشيوعيين في تجربة الهياكل التي تمرد عليها الطلبة , واستطاعت أن تقصي الحزب الحاكم من الجامعة نظرا لاختياراته الاشعبية وعدم احترامه لأبسط مبادئ الديمقراطية وكانت دائما في طليعة التحركات الشعبية المنددة بعنف النظام وسياسته الاستبدادية وأحد المعبرين عن طموحاتها, كان ذلك خاصة في أحداث 1978 العمالية والأحداث التلمذية والعمالية في 1981 وأحداث الخبز في 1984 .وأصبح النظام الحاكم يدرك أن الحركة الطلابية أصبحت أقوى وأنه بات يواجه طرفا منظما متماسكا يمتلك رؤية واضحة و يحضى بدعم طلابي واسع مما جعل استهداف الاتحاد العام التونسي للطلبة والجامعة على رأس أولويات السلطة في انتظار إيجاد الظروف المواتية لتنفيذه .فالسلطة لا تؤمن بالحوار مع أي معارضة ولم تفعل ذلك منذ تسلمها الحكم , وسياسات الاستئصال التي مارستها عرضت البلاد لهزات عنيفة ومجازر كبيرة كان أخطرها الأحداث العمالية سنة 1978 في محاولة القضاء على الاتحاد العام التونسي للشغل والتي خلفت وراءها مئات القتلى وفتحت أبواب السجون لمناضلي الاتحاد وأحداث الخبز سنة 1984 والتي خلفت بدورها مئات القتلى ومئات السجناء , وقد كان مجرد الدخول في حوار مع هذه الأطراف كفيل بتجنيب البلاد هذه الخسائر الكبيرة في أرواح الشعب ومكاسبه .

الاتحاد العام التونسي للطلبة وطريق المواجهة

كانت سنة 85/1986 سنة متميزة في بداية متميزة للاتحاد العام التونسي للطلبة بدأتها السلطة بطرح وزير التعليم العالي عبد العزيز بن ضياء ما أسماه – مشروع إصلاح الجامعة – وكان هذا المشروع يهدف أساسا لإرجاع الجامعة لأحضان السلطة وجعلها ذراعا تابعا تكرس خياراتها الاشعبية بضرب مجانية التعليم تحت مسمى البحث عن تمويل الجامعة وبناء مراكز للأمن داخل المؤسسات الجامعية لمحاصرة الحريات التي فرضتها الحركة الطلابية داخل الجامعة وبناء الجامعة الحرة لأبناء الطبقة المتنفذة القادرة على تمويل دراسة أبناءها وصولا إلى تشغيل أبناء هذه الطبقة وحرمان أبناء الفئات الضعيفة المتخرجة من الجامعة من حقها في الشغل . وبدأ الاتحاد أولى خطواته بقراءة عميقة لمشروع بن ضياء والتحرك داخل الوسط الطلابي للتوعية بمخاطره وأهدافه والرد عليه بموقف طلابي رافض ترجمه الاتحاد بالتحرك نحو إسقاطه. قاد الاتحاد العام التونسي للطلبة تحركات ضخمة بالجامعة لإسقاط المشروع واجهتها السلطة بعنف كبير واعتقال المئات من مناضلي الاتحاد وأنصاره وتجنيدهم في ثكنات عسكرية خاصة في منطقة رجيم معتوق بأقصى الصحراء التونسية وسقوط الشهيد عثمان بن محمود من المدرسة القومية للمهندسين بتونس وانتهت السنة الدراسية بنسف مشروع بن ضياء وإقالته من الوزارة وأثبتت تجربة التنظم الطلابي نجاعتها ونجح الاتحاد في حماية الجامعة من مشاريع التصفية مقابل تضحيات كبيرة لمناضليه . إلا أن هزيمة السلطة في أول مواجهة مع الاتحاد ضخم شعورها بخطر التنظم الطلابي الجديد ودفعها للتفكير في تدارك الأوضاع بالجامعة بالسعي إلى إحكام السيطرة عليها وترويضها بأي ثمن . فكانت سنة 86/1987 سنة تصفية الحساب مع الجامعة بدأتها السلطة بجملة من القوانين الزجرية لمحاصرة العمل الطلابي وتسييج الجامعات لتسهيل حصارها والتراجع عن المنح الجامعية مقابل سياسة القروض وبدأها الاتحاد بانجاز مؤتمره الثاني وسط حصار للجامعة وتبنى مشروع الدفاع عن الحقوق وإسقاط مشاريع التصفية وعلى رأسها مشروع الترسيمات المسمى بقانون أوت 1982 والذي نص على حق كل طالب بالرسوب مرة واحدة في المرحلة الأولى من التعليم العالي يطرد بعدها مباشرة من الجامعة إذا أخفق وقد تسبب هذا القانون في طرد الآلاف من الجامعة دون وجود حل لإعادة إدماجهم. واجهت السلطة هذا المطلب بعنف كبير وداهمت قواتها المؤسسات الجامعية وشنت حملة اعتقالات واسعة لمناضلي الاتحاد أحالتهم إلى محاكمات جائرة وملأت السجون بمئات الطلبة ووسعت حملتها لتشمل عناصر الحركة الإسلامية بالجامعة والبلاد وقامت قوات البوليس السياسي باغتيال الشهيد حمدة بن هنية – كلية التصرف بصفا قس – والشهيد مصطفى الحجلاوي – كلية الحقوق بتونس ووقعت عسكرة الجامعة بالتواجد الأمني الكثيف داخل المؤسسات وتفتيش الداخلين والخارجين منها واعتقال المطلوبين للبوليس وترهيب الطلبة , وقد هيأت هذه الظروف لانقلاب بن علي على السلطة في نوفمبر87

سلطة السابع من نوفمبر ومصداقية الخطاب

جاء نظام بن علي مبشرا بمرحلة جديدة من المعاملة مع الجامعة وكل مكونات المجتمع المدني ويدعو إلى مصالحة شاملة بالبلاد فقام بإطلاق سراح الطلبة من السجون وشهدت الجامعة فترة هدوء مدة سنتين دفعت خلالها السلطة أطراف اليسار إلى انجاز المؤتمر الثامن عشر الخارق للعادة المعلق منذ سنة 1971 ووقع الاعتراف القانوني بكلا الاتحادين سنة 1989 إلا أن الاعتراف بالاتحاد العام التونسي للطلبة لم يكن إلا لربح الوقت وتحييد الجامعة حتى يتمكن النظام الجديد من ترتيب بيته والإعلان عن نيته الحقيقية في استئصال الاتحاد وتصفية الحركة الطلابية, لكن هذه الظروف مكنت الاتحاد من انجاز مؤتمره الثالث . كانت الانتخابات التشريعية لسنة 1989 منعرجا حاسما في سياسات السلطة الجديدة , فبعد تأكد السلطة من الفوز الساحق للقائمات المستقلة المدعمة من الاسلاميين بات واضحا لديها أن تحكيم الشعب في أي انتخابات حرة سيسقطها من سدة الحكم وأن السبيل الوحيد لبقائها في الحكم هو القضاء على الاسلاميين وضرب كل مقاومة بالبلاد حسب سلم أولويات تبدأ بضرب الحركة الإسلامية حركة النهضة –وهي التي غيرت اسمها من حركة الاتجاه الإسلامي إلى حركة النهضة بطلب من السلطة للاعتراف القانوني بها ولم يكن هذا الوعد إلا ربحا للوقت – والاتحاد العام التونسي للطلبة ثم اتحاد الشغل والرابطة الوطنية لحقوق الإنسان وإنهاء كل أشكال المعارضة الحقيقية . بدأت مؤشرات هذا الخيار تظهر في الساحة الجامعية سنة 89/1990 بتأزيم الوضع داخل الجامعة عبر طرد مسئولين نقابيين للاتحاد العام التونسي للطلبة في كل من كلية العلوم وكلية الطب ومدرسة المهندسين بجهة صفاقس عبر مجالس تأديبية صورية نتيجة نشاطاتهم النقابية وإصرار الوزارة على نقل كلية الشريعة إلى مقر متداع للسقوط وغير لائق بالدراسة . وأمام إغلاق الوزارة باب الحوار ورفضها التراجع عن قراراتها واجهها الاتحاد بإضرابات عديدة واعتصامات مفتوحة ومواجهات مع قوات الأمن التي عمدت إلى اقتحام مبيتات الطلبة والمؤسسات الجامعية وقامت باعتقال وتجنيد المئات من مناضلي الاتحاد وأنصاره في ثكنات الجيش بمنطقة رجيم معتوق بأقصى الصحراء وجزيرة زمبرة بولاية بنزرت . وأمام المواجهات العنيفة التي شهدتها الجامعة وإصرار الاتحاد على مواصلة تحركاته جنحت السلطة إلى ربح الوقت فأطلقت سراح الطلبة المجندين ووعدت بتسوية الملفات العالقة بالسنة الموالية أي سنة 1991 التي أنجز فيها الاتحاد مؤتمره الرابع والأخير بالجامعة قبل أن تشمله السلطة بحملة تصفية وملاحقات واسعة ومحاكمات لرموزه ومناضليه بالمحاكم الجنائية والعسكرية وإصدار أحكام جائرة بحقهم بلغت عشرات السنين في حق العديد منهم واغتيال العديد من مناضليه ومناضلي الحركة الطلابية بدءا بمجزرة المركب الجامعي بتونس التي سقط فيها خمسة شهداء وتشريد المئات إلى المنافي ومحاولة إخضاع الجامعة عبر مشاريع الهرسلة والتمييع طيلة المرحلة اللاحقة … قدمت الحركة الطلابية سنة 91 كلا من الشهداء صلاح الدين باباي من مدرسة المهندسين بصفا قس ومبروك الزمزمي من كلية العلوم بالمنستير وأحمد العمري من مدرسة المهندسين بتونس وعدنان سعيد من كلية العلوم بتونس و عامر دقاشي من كلية الشريعة وعبد الواحد العبد لي من دار المعلمين العليا بسوسة وسمير تليش من كلية الآداب بصفاقس وطارق الزيتوني من كلية الآداب 9 أفريل بتونس وجمال الزموري من كلية العلوم بتونس والهادي بالطيب من كلية الطب بسوسة , كما استشهد بالسجن في ظروف غامضة عبد الوهاب بوصاع من كلية الشريعة ولطفي عيدودي عضو المكتب التنفيذي للاتحاد من كلية الحقوق بسوسة ولا يزال أول أمين عام للاتحاد العام التونسي للطلبة عبد الكريم الهاروني يقبع بالسجن لأكثر من سبعة عشر سنة والسجين عبد الحميد الجلاصي أحد أكبر قادة الحركة الطلابية المسجون منذ سنة 1990 …

الطريق المسدود وحتمية التغيير

لقد عملت السلطة طيلة التسعينات وما بعدها على استعمال الخيار الأمني في مواجهة كل مؤسسات المجتمع المدني المعارضة لسياساتها واستعملت القوة المفرطة في مواجهتها مع خصومها السياسيين العزل دون التوقف عند أي خطوط حمراء وبكل وسيلة لغاية إحداث صدمة للمجتمع تدفعه إلى الخوف والتقوقع على ذاته وعدم التفكير في معارضة السلطة. ومحاولة جر الجميع إلى ما تسميه بالمعارضة المؤيدة أي المعارضة الديكور , وقد نالت الجامعة نصيبها من القمع والتصفية على قدر حجمها وفاعليتها وجرأتها فوقع اغتيال العديد بالرصاص وموت العديد تحت التعذيب وسجن المئات وتشريد المئات إلى المنافي في أكبر عملية قمع منذ استقلال البلاد عسكريا عن فرنسا. كما قام البوليس السياسي والأمن الجامعي بالمراقبة الصارمة والاعتقالات المستمرة للطلبة والزج بهم في السجون بتهم الإرهاب مما أحدث حالة من الانكماش والرهبة والخوف داخل البلاد والجامعة وحول البلاد إلى سجن كبير وحاصر إعادة بناء المنظمات والأحزاب ومنع أي إمكانية للتعبير عن الرأي وضخم الأجهزة الأمنية بما يفوق حاجة البلاد مرات عديدة ووجهها للملفات السياسية . وفي موازاة ذلك عمل على إدخال تقاليد جديدة للجامعة تخدم توجهه بتشجيعه على الفساد الأخلاقي ودمج المبيتات الجامعية ذكورا وإناثا والإكثار من الحفلات الماجنة ومنع تداول الآلاف من الكتب الفكرية والعلمية لحصر اهتمام الطلبة في أمورهم الشخصية واللهث وراء غرائزهم والعمل على إنتاج جيل يجهل تاريخه النضالي … لكن هذا القمع الكثيف للجامعة لم يمنع الحركة الطلابية عبر أحرارها من التعبير عن وجودها وموقفها ولو جزئيا وبشكل غير مستمر توازيا مع حركة تاريخية بالبلاد شكلتها أغلب أطياف المعارضة بكل مشاربها من أجل مواجهة مشروع الاستبداد وفرض الحرية للجميع دون استثناء . وفي هذه المرحلة التاريخية الهامة يتأكد دور الحركة الطلابية أكثر من أي وقت مضى في الدفاع عن الحرية بالجامعة والبلاد والتوحد في محاربة الاستبداد الذي لا يقل شرا عن الاستعمار المباشر الذي انخرطت الحركة الطلابية حينها ممثلة في لجنة صوت الطالب الزيتوني في حربه ومؤازرة الحركة الوطنية لنيل الاستقلال , وللحركة الطلابية اليوم مسؤولية تاريخية تجاه شعبها في التوعية والنضال ومؤازرة المعارضة الجادة من أجل إحداث التغيير المنشود …

سوسة في 22 أوت2007

(المصدر: موقع “طلبة تونس” بتاريخ 22 أوت 2007)
الرابط: www.tunisie-talaba.net

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *