فتاة في 17 من العمر ضحية عشرين سنة من التنكيل بأبيها

بعد اطلاعي على خبر مفجع عنوانه “نداء إلى أصحاب الضمائر الحية” (انظر النداء في الأسفل) صدر بأحدى نشرات تونس نيوز بتاريخ 20 أوت 2007، أستسمحكم أن أروي لكم قصة هذه العائلة المناضلة بعاصمة الوطن القبلي نابل، التي آلمتني وأقضت مضجعي، كما أتت على كل ما هو جميل وبريء براءة تلك الفتاة دون السابعة عشرة من العمر، التي هي موضوع هذه الحادثة.

نعم هكذا اسمها براءة، تلميذة محتشمة أرسلها أبوها إلى المعهد الثانوي الطاهر الحداد بمدينة نابل لتكمل دراستها، لم يترك أعوان البوليس فرصة إلا اغتنموها لرسم شبح الخوف والإرهاب في مخيلتها، بدأ بالتضييق عليها في ارتداء حجابها تارة ومنعها من أداء الامتحان تارة أخرى.

أرسلها فتاة متدينة على درجة عالية من الحشمة والامتثال لوالديها وحبها لهما، أطلقوا فيها أنفاث سمومهم الشريرة الباعثة على العري والفساد، التي تحملها نفوسهم، وكيف تطيق الأسود أن يوجد بين أنيابها حمل أبيض رقيق وهي الذئاب الجائعة، سلطوا عليها أستاذة من أساتذتها لكي تطلعها على نمط العيش المتحرر من قيود العائلة والقيم والأخلاق وتكره إليها الامتثال لوالديها والحفاظ على دينها والرضاء بما كتبه الله لها، يرسلون إليها أعوان البوليس في الصباح والمساء ليحرضوها على أبيها.

فمن هي هذه الفتاة براءة ومن هو أبوها ؟

الفتاة براءة هي الرابعة في الترتيب مع إخوتها الخمسة الآخرين من مواليد 10.12.1990 (سيف 24 سنة – أمنة 20 سنة – شفاء 18 سنة – محمد 12 سنة وعبد السلام 7 سنوات) تلميذة بالسنة الخامسة ثانوي، أبوها فوزي قارة علي من مواليد 9 أوت 1964 أصيل مدينة نابل، أستاذ رياضيات ممنوع من العمل منذ أوائل التسعينات، مرشح القائمة المستقلة للوطن القبلي للانتخابات البرلمانية “الجريمة” لسنة 1989، وأحد مؤسسي الجمعية الدولية للدفاع عن المساجين السياسيين، سجن وزوجته أيضا في بداية التسعينات مع بقية الآلاف من أبناء شعبه وتعرضا لشتى أشكال التعذيب، فهو ليس بنشاز ولا بدعا من رفقاء دربه، فما الذي جعل من بوليس مدينة نابل أن يكون هذا الرجل وعائلته حقل مصائدهم ومكائدهم؟

بعد أن قتل الشاب الوسيم البطل فيصل بركات في أحد مراكز البوليس بمدينة نابل خريف 1991، لا يستغرب من الطبيعة الإجرامية والوحشية التي يتميز بها هذا الصنف من البوليس التونسي، فنفس الأيادي التي قتلت فيصل بركات هي ذاتها تنزع غطاء الحشمة عن براءة قارة علي بعد سنين من المطاردة والمشاكسة.

كل مرة أسمع خبرا عن هذه العائلة، إما خبرا يبعث في روح المقاومة والصمود مما أسمعه من مواقف بطولية من الرجل وزوجته البطلة أو أحد أبنائه أو بناته، أو خبرا يبعث في اليأس من أن يكون لهذه البلاد خلاص ومخرج مما أسمعه من مكائد وصنائع البوليس من أجل إذلال العائلة وتركيعها.

منذ ستة أشهر تقريبا نزعت الفتاة حجابها بصفة رسمية هذه المرة، بعد أن عودوها بنزعه أمام المعهد ولبسه خارجه، حتى حصل في نفسها ما أراده لها الأشرار، بدأت تكره هذا النمط من العيش وأصبح يعجبها اللبس بدون غطاء الرأس في المعهد، وأمام تتالي صيحات الثورة والتمرد على كل العائلة البائسة والفقيرة والمطاردة، حصل المكروه وأقدمت البنت على ما أصبح يسمح لها به القانون وحقوق الطفل والمرأة إلى آخرها من الشعارات التي ترفع في تونس من أجل أبعاد أيديولوجية وخطط تدميرية وليس دفاعا عن هذه الحقوق وصونها وتطويرها.

ها هو اليوم يصل بنا مشهد هذا المسلسل الإجرامي إلى ما حدث لبراءة منذ أيام، حيث غادرت مسكن أبويها بدون سابق إعلام يوم الاثنين 13 أوت لتقول لنا ولكل العازفين على وتر المابعد 25 جويلية 2007 أني أذكركم بكل سنوات الغدر والمكيدة والخوف والإرهاب التي أمضيتها أنا وعائلتي، وأنني طفلة بريئة لا أتحمل أكثر مما تحملته طيلة 17 سنة التي هي كل عمري.

لم تطق فراق أبويها، عادت أمام مسكن خالتها بعد ثلاثة أيام ومن أمام الشرفة التي بالطابق الأول سألت عن أبويها وكيف كان خبر ابتعادها عنهما، لم تطق الخالة صبرا فهرولت بصحبة أخيها إلى الأسفل باتجاه الفتاة حتى يدركوها ولكن سيارة امتطتها جعلتها تغيب عن أنظارهم دون أن يلمسوها ويعيدوا فيها حرارة العائلة، لم يتمكنوا من معرفة رقم السيارة أمام الغبار الذي تركته بعد انطلاقها، غير أن ملامح أصول مغاربية (تونسي أو جزائري) كان بصحبتها في سيارة ذات صفيحة صفراء فرنسية.

عاودت الفتاة الاتصال بالهاتف يوم السبت 18 أوت في منزل أبويها لتخبرهم أنها بمدينة سوسة وأنها بصحبة فتية وفتيات تونسيات وجزائريات يحاولون الهرب إلى خارج الوطن إلى الجزائر تحديدا ومن ثمة ربما إلى أوروبا، أو الله اعلم من هي هذه الأيادي التي ستحدد لها وجهتها.

هذا ما انتهى إليه مجرى أحداث هذا المسلسل الأليم والغامض التي لا يعلم الخيوط المحركة لها إلا الله ولا أحد يعلم دوافع الفتاة هل هي تحت ضغط شبكة وعصابة من المتاجرين بالفتيات، أم هي “لحظة الثورة والانتقام” أم غير ذلك، فبلادنا مليئة بالعجائب والفجائع والدسائس “المافياوية” و”الروتارية” و”الطرابلسية” و”البوليسية”، وما علينا إلا الانتظار عما ستنبأ به الأيام حول مستقبل عائلة بأسرها ومن يكون وراء هذه الفجائع.

أنا لم أذكر إلا هذه الحالة لقربي منها والحال أن سجل شعب بأكمله يقطر دما، وحالات التنكيل بالمعارضين لا تحصى، ولكن لتعالي أصوات بعض رجال المطافئ هذه الأيام جعلني أبادر بتذكيرهم بمسلسل انتهاك الحقوق والاعتداءات الذي لم ولن ينتهي.

لعل هذه الحادثة تفرح بعض الجمعيات النسوية التونسية ولها تقييم مغاير تماما سأقوله، إذ تعتبر الخطوة التي أقدمت عليها براءة – أو أرغموها على القيام بها – انتصارا “لمعركة التحرر والكرامة”، ولعل ذلك يزيدهم فرحا واعتزازا بسنوات طويلة من “النضال” عندما يسمعون بالتاريخ الذي اختارته – أو اختاروه لها وهو 13 أوت الذي يصادف عيد المرأة التونسية والطاهر حداد والقصة طويلة – لكي تقطع مع ماضيها الأليم، وهذا حق لنا أن نختلف فيه وكل يعمل على شاكلته، وليعذرونا في هذا الاختلاف، فكما لي رأي لمخالفي أيضا رأي أحترمهم عليه.

ولكن سوف أقيّم الحادثة من منطلقي الديني المسلم الذي هو دين وهوية الشعب التونسي بأسره، ومن عاداتي وتقاليدي النابلية والشعبانية والخيايرية والمعمورية، ومن منظوري وتصوري السياسي الذي أتقاسمه أو أختلف فيه مع إخواني.

إن النظام التونسي والدوائر الأمنية يفرحها هذا الخبر من جهتين، الأولى أنها ابنة مناضل سياسي ومعارض إسلامي، نكالة فيه وفي قيمه وشعاراته التي يدعو إليها هو ومن شاطره هذا التوجه الأيديولوجي والسياسي، ومن جهة أن نظام 7 نوفمبر يشجع على الفساد والعري والبغاء والرذيلة، وأن هذه الحادثة تمثل نجاحا باهرا لسياساته التي يخطط لها منذ عقود.

ثم من جهة أخرى أين البوليس الماهر في اصطياد المعارضين وملاحقتهم والتنبؤ بمكان انعقاد اجتماعاتهم حتى قبل أن يقرروها ؟ كيف تفلت سيارة من نابل و لا يستطيعون العثور عليها؟ هذا النظام الذي انفق المليارات لتطوير شبكة مراقبة الهواتف لتتبع المعارضة في الداخل والخارج، ألا يستطيع أن يفرغ قسما من أقسامه الأمنية حتى يتمكن من التعرف على مكان المكالمة الهاتفية وتطويق المكان والبحث عن الفتاة بكل جدية.

قالوا لأبيها لم نعثر عليها ولا نعلم عنها شيئا، والبحث جار، نسأل الله أن توفق هذه الأجهزة المختصة والمتفننة في متابعة المعارضين أن تهتدي إلى خيط يساعدها على معرفة مكان الفتاة والشبكة التي هي حاصلة في خيوطها.

إن ما آلت إليه حياة هذه العائلة المتدينة ليندى له جبين كل مسلم، وليغتاض له كل غيور، فالله أعلم بحال تلك الأم المسكينة والأب المكلوم، عندما يرى ما وصلت إليه حاله وحال عائلته وهو يدفع ضريبة آرائه وتوجهاته السياسية، لا يستطيع العمل حتى يوفر بعض الكماليات لأبنائه وبناته من جراء المحاصرة، قابض على جمرة مواقفه لا يتزحزح عنها قيد شبر وهو لا يبالي، وفي نفس الوقت يلتفت يمينا وشمالا على شواطئ نابل والحمامات والمعمورة ليرى إخوانه ورفاق دربه بالأمس، يجمعوا الأموال العام تلو الآخر وهكذا الحياة سنون، أقوام تصعد وشعوب تسحق.

الفتاة براءة بريئة من كل شيء وليس لها باع في هذه السوق القذرة، وإن كنا نقول حسبنا الله ونعم الوكيل وقدر الله وما شاء فعل، ولكن أكتاف هذا النظام لتكاد تئن من كثرة ما حملت من جرائم ولا تزال، نشروا الرذيلة وحرقوا البلاد من أجل أن يعثروا على معارض أو ينكلوا بإسلامي، ويريدون أن يطووا صفحة الماضي وينهوا الأزمة ويبحثون عن مخرج.

إنهم بهذه المآسي ليشحذون سلاح موتهم بأيديهم، وسوف يحاسبون أمام الله على كل صغيرة وكبيرة، وستظل تونس تئن وتصرخ في الداخل بأصوات المعذبين والمقهورين ونداءات وأصوات المغتربين مهما ادعى البعض من أن بوادر انفراج الأزمة قد ظهر، فمن يضن أن المهاجر سوف تهدأ وتعود الحيات إلى جحورها والسجون ستفرغ وتعود الحقوق إلى أصحابها في ظل سياسية بوليسية يحكمها هذا النظام فهو والله الحالم.

إنهم بهذه الصنائع يطيلون الأزمة ويعمقونها، وسوف نتكاثر في الأموال والأولاد والشهادات العليا في المهاجر ولن نعود إلى أوطاننا حتى تصلح نوايا هذا النظام الفاسد، وسنضل بأصواتنا وأموالنا في الخارج كابوسا يقض مضجع النظام خير من خرفان تسرح في أرضه يحرسها ويرعاها كيف يشاء، سنكتب مذكراتنا ونروي مآسينا وننقلها جيلا بعد جيل لنصنع أقواما تأثر في البلاد يوما، أما من عاد تحت ظل هذا النظام فاقرأ عليه فاتحة الكتاب، فهو في عداد الأموات وليس الأحياء.

ونحمد لله أن وفر لنا هذه المهاجر مراغما وسعة في ديننا ودنيانا كيف نتركها ونعود بين أيادي مصرة على الجريمة، نسأل الله الفرج والمخرج لأخينا فوزي وعائلته وكل المعذبين والمقهورين في الداخل، وأن تعود له ابنته براءة بريئة من كل خطيئة، وهي والله البريئة.

المهدي بن حميدة
سويسرا في 23 أوت 2007

نشر هذا المقال على صفحات تونس نيوز

بسم الله الرحمن الرحيم
نداء إلى أصحاب الضمائر الحية

من قلب أب مكلوم ، فجع بفقدان فلذة كبده و هي في ريعان الشباب : زهرة حياته و نور بصره ، إلى صاحب كل ضمير حي .
في ليلة دامسة و دون إنذار مسبق ، سقطت ابنتي فريسة لعصابة دأبت على نهش لحوم الأطهار ، و التغرير بالشباب و الشابات لدفعهم للإنزلاق في طريق الرذيلة . لم تبلغ من العمر إلا 17 سنة . و بعد تعرضها لمشاكل مع المدرسة و ظنها بأنها فقدت الأمل في حياة تحوز فيها على بعض الكماليات التي عجز الأب الفقير عن توفيرها .
منذ أسبوع غادرت البيت بدون رجعة و دون إعلام لأحد افراد العائلة . و عند اتصالها بعد ثلاثة أيام قالت بأنها تتصل من مدينة سوسة.
ابنتي براءة قارة علي لا تمتلك أية وثيقة شخصية : لا جواز سفر و لا بطاقة تعريف شخصية .
ندعو كل صاحب ضمير حي ، يراعي حق الله و حق العباد ، و إلى من زلت به القدم و سقط كرها في حبال الشيطان : إذا لقيها أو علم بها أن يخبرنا .
و ندعو إلى نشر هذا النداء في أكثر من موقع .

و السلام
الاب فوزي قارة علي
الهاتف 00216.23.282.524

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *