بداية طريق الهجرة: الرحلة بين طرابلس والجزائر سنة 1992

سارت الأيام والليالي وخرجت من تونس يوم الجمعة 13 ديسمبر 1991 متوجها إلى ليبيا (طرابلس) ووصلتها في صبيحة يوم السبت، حيث أقمت أسبوعا لاستكمال تجهيزات السفر الذي تقرر أن يكون باتجاه الجزائر…وفي ذلك الأسبوع تمكنت من الحصول على العملة الصعبة (الفرنك الفرنسي آنذاك) من تونس التي يتوجب علي امتلاكها للعبور للجزائر، حيث جاءني الأخ مروان المؤدب إلى طرابلس في المرة الأولى ليأخذ مني جواز سفري، ثم عاد في المرة الثانية مصحوبا بجواز السفر مع العملة الصعبة وقيمتها المسموح بها آنذاك 1500 فرنك فرنسي.

ختم إثبات حصول على عملة فرنسية عن طريق البنك

ختم إثبات حصول على عملة فرنسية عن طريق البنك

أما طريقة العبور عبر المعبر الحدودي رأس الجدير، فقد اصطحبني أحد الإخوة من أبناء كليتي (كلية العلوم بتونس) من تونس إلى رأس الجدير حيث وصلنا في الصباح الباكر وكان العبور بين التونسيين والليبيين يتطلب الاستظهار ببطاقة التعريف فقط، وبدون الدخول في التفاصيل حتى لا أشجع غيري عن العبور خلسة، ولكن باختصار مررت أمام العون بدون أن يناديني بحكم نصائح الأخ الذي اصطحبته…

وبمجرد نزولي بسوق طرابلس أمشي لا أعلم أين سأذهب، وأين سأبيت ليلتي، رفعت رأسي فوجدت أمامي الأخ عماد الدايمي (كان طالبا معي بكلية العلوم وصديقي) فسألني ماذا تفعل هنا ووجهت له نفس السؤال، وبعد التسليم والسؤال عن الأحوال ذهبت معه وأقمت مع أحد أقربائه الذي استقبل عنده ثلاث إخوة وزدت معهم أنا، فمكثت معهم أسبوعا وهم الذين نصحوني بتسجيل العملة يجواز السفر لكي أتمكن من دخول الجزائر… هذا وتمكنت من زيارة مبنى مهجور كان يبيت فيه كل التونسيين من إخوتنا الذين فروا من بطش السلطة وتتبعات البوليس، وكان أغلبهم إن لم يكن كلهم لا يملكون جوازات سفر…

ختم الخروج من المعبر الحدودي الليبي بمدينة غدامس

ختم الخروج من المعبر الحدودي الليبي بمدينة غدامس

وفي صبيحة يوم الجمعة 20 ديسمبر امتطيت الحافلة من طرابلس باتجاه المعبر الحدودي بين ليبيا والجزائر وهي مدينة غدامس (600 كلم – 9 ساعات)، حيث وصلنا قبل غروب الشمس بنصف ساعة وفي الطريق قبيل مدينة غدامس مررت بالديوانة الليبية التي وجدت عندي بعد الدنانير الليبية التي تبقت لي في سفري والتي ذقت بسببها السب والشتم من العون الذي ختم لي طابع الخروج…

وفي مدينة غدامس كان من اللازم علي انتظار أن تملأ كل مقاعد سيارة الأجرة التي ستنقلنا إلى الجزائر العاصمة (1300 كلم – 17 ساعة)، وكان الجو مخيفا وكل الوجوه محدقة في هذا المسافر الغريب والذي لم أفهم غرابة نظراتهم إلي إلا بعد أن امتلأت التاكسي عند غروب الشمس وانطلقنا ثم بعد بضع كلومترات وصلنا إلى الديوانة الجزائرية ونزلنا جميعا لختم الجوازات، حيث حدق في العون ملي بعد أن نظر في جواز سفري ثم رد لي الجواز وقال لي عد من حيث أتيت، ولما هممت بأن أسأله ما سبب الرفض اكفهر وججه ليمنعني حتى من السؤال عن سبب رفضه السماح لي بالعبور، فتناولت الجواز وأقفلت راجعا دون التفوه بكلمة واحدة، ولما تأكد أني ذاهب بالفعل ناداني وقال لي هات الجواز أختم لك فيه ولكن تعطيني blouson cuir التي كنت ألبسها؟؟؟ فقلت له لا أملك غيرها في هذا البرد ولن أسلمك إياها، فتعجب من ردي عليه وختم لي الجواز وقال لي امض ولا تعد إلى هذا المكان ثانية…

ولما رجعت إلى التاكسي لأواصل سفري سألوني عن سبب تأخيري فحكيت لمرافقي القصة، فأجابوني عن سر هذه البزة من الجلد التي ألبسها وأفهموني ان الجزائريين مستعدون لذبحي وإلقائي بالطريق طمعا في هذه البزة من الجلد، وكان الجلد ممنوعا من الدخول من المغرب لأسباب اقتصادية وسياسية… فأدركت وقتها سبب النظرات الغريبة التي كانت تحدق بي في مدينة غدامس، ولكن من ألطاف الله لم يجرأ أحد علي.

وفي الطريق قبل أن نصل إلى أول مدينة وهي مدينة ورقلة الجزائرية المشهورة بالدقلة توقفنا للصلاة فصليت المغرب والعشاء وسط عويل الذئاب حول نار وجدناها تشتعل لأحد البدو جنب الطريق، وكنت أسمع عويل الذئب على مسافة لا تبعد عنا كثيرا، وكان الجو بادرا ومخيفا وكانت أسناني تسطك لست أدري أمن البرد أم من الخوف…

النقطة الحدودية الرابطة بين ليبيا وتونس والجزائر

النقطة الحدودية الرابطة بين ليبيا وتونس والجزائر

وفي الطريق بين ورقلة وبسكرة قال لي سائق التاكسي:” يا تونسي هل عندك دراهم (نقود)”؟ قلت له نعم…قال إذا كنت تريد الحفاظ على نقودك فهات أخبيها لك فقد أوشكنا أن نقترب من دوريات الدرك الوطني (حرس الجيش والحدود) وسنمر كلنا على التفتيش إلا هو (صاحب التاكسي)، ولكن بشرط ان يقتصمها معي بالنصف، فأكد لي كل المرافقين في التاكسي الموضوع ونصحوني بأن أفعل ما طلبه مني سائق التاكسي فرفضت وقلت له لا أعطيك الدراهم ولا أقتسم معك النصف، وانا بين مصدق للموضوع ومكذب له،…وبعد كيلومترات أوقفتنا بالفعل دورية الدرك الوطني مدججين بالسلاح وطلبوا من الجميع النزول من السيارة، وقتها أدركت أن الأمر جد ونزلت من السيارة ثم فتشونا واحدا واحدا تفتيشا دقيقا ثم انتقلوا إلى السيارة ففتشوها تفتيشا دقيقا ولم يجدوا شيئا ثم طلبوا منا وثائق السفر ثم رجعنا إلى السيارة بعد أن سمحوا لنا بالانصراف، وبمجرد ان انطلقت السيارة سألني صاحب التاكسي:” ماذا فعلت يا تونسي في الدراهم”؟ قلت له:” خبأتها بين جنبات الكراسي قبل أن أنزل من السيارة ولم يتفطنوا لها…فتعجب من أمري وواصلنا سيرنا في صمت…

وفي الغد أي يوم السبت 21 ديسمبر 1991 وصلنا الجزائر العاصمة، هذا وقد كنت أخذت أرقام هواتف الإخوة الذين سوف ألتقيهم، فهتفت فأجابني أحد الإخوة بعد ان أعطيته أمارة (اسماء بعض الإخوة) ولكنه لم يرتح لأمري وطلب مني الانتظار بالمحطة حتى يعود الأخ الذي طلبته وسياتي للبحث عني…ولما استبطأت الأمر أعدت مهاتفته، فأعطاني العنوان وطلب مني الالتحاق بالبيت، ولما طرقت الباب فتح لي فوضعت حقيبتي ثم طلب مني الانتظار في الخارج حتى يأتي الإخوة الذين سيحققون في هويتي…
وبعد العصر تقريبا جاءني اثنين من الإخوة (على رأسهم الأخ عبد الرؤوف الماجري) وسألوني اسئلة دقيقة جدا وتفاصيل عن تونس وعن انتمائي للحركة وعن أسماء لإخوة أعرفهم وبعد التأكد من سلامة الموقف رحبوا بي وسمحوا لي بالإقامة بينهم في منزل بنهج حسيبة بن بوعلي وسط الجزائر العاصمة…

حيث سكنت مع عدد من الإخوة يبلغ عددهم التسعة أذكر منهم الإخوة محمد الطرابلسي (شهر عم اسماعيل) وإبراهيم الجويني ولطفي زيتون ولسعد وسعيد وآخرون نسيت أسمائهم…وفي شهر مارس 1992 (خلال شهر رمضان) وصلني نبئ وفاة عمي الصادق بن حميدة رحمه الله وكان اول خبر وفاة يصلني من المعمورة وكان كله ذكرى بالنسبة لي فتأثرت لوفاته…
في 11 جانفي 1992، أي بعد وصولي الجزائر بـ 20 يوما، اعلن الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد اسقالته فجأة من رئاسة الدولة (يعتبر الكثير انه دفع إليها بضغط من الجنرالات) واتبع ذلك انتقال السلطة إلى المجلس الأعلى للدولة الذي كان في يد العسكر برئاسة وزير الدفاع خالد نزار الذي اتخذ يوم 12 جانفي 1992 قرار إلغاء الانتخابات واتبع باعلان حالة الطوارئ بسبب انهم رؤوا ان فوز الجبهة الإسلامية للانقاذ هو تهديد للتجربة الديمقراطية…

وفي شهر مارس 1992 صدر قرار من السلطات الجزائرية بحل حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مما عكر الأجواء الأمنية في البلاد، وأصدرت الحركة (حركة النهضة) في الجزائر تعليماتها لأبنائها بعدم الخروج إلى الشارع إلا لقضاء الحوائج الضرورية بالنهار، ولكننا أنا والأخ إبراهيم الجويني (هيثم) كنا نتجاوز هذه التعليمات ونخرج لأداء صلاة التراويح بجامع الرحمة القريب من المنزل الذي نسكن فيه، وكان هذا الجامع بمثابة جامع الفتح بالعاصمة التونسية في حرارته وتمركزه وسط العاصمة، وكان هذا الجامع هو الأقرب إلى مقر الجبهة الإسلامية للإنفاذ حيث كان أغلب قيادييي الجبهة يصلون في هذا الجامع…

وحضرت اجتماعات عامة امام المسجد خطب فيها الشيخ الشهيد عبد القادر حشاني، وتابعت باندهاش لمعارك المطاردة التي كانت تحصل بين الصحافة (كل القنوات الفرنسية المعروفة) الأوروبية وبين عبد القادر حشاني حيث كاموا ينتظرونه أمام المسجد بعد انتهاء الصلاة ليفتكوا منه تصريحا، ولكنه كان ينتظر ساعات طوال داخل المسجد وهم لا يستطيعون الدخول إليه بالمسجد وفي الأخير يخرج من الباب الخلفي للمسجد، ولما يحسوا بخروجه تراهم يهرولون وراءه ويركضون ليحصلوا منه على تصريح…

وكنا نذهب للجامعة ونحضر صلاة الجمعة حيث كان الخطيب الشهيد الشيخ محمد السعيد زعيم تيار الجزأرة، وفي الأيام الأخيرة من شهر أفريل، ابتدأت مضايقات السلطات الجزائرية لأبناء النهضة المقيمين بالجزائر العاصمة بعد أن صدر قرار بإخراجنا من الجزائر لكي لا يزيد أمر البلاد تعقيدا، ووقع في أيدي البوليس الجزائري أخوين وأخت نهضاويين في مطار هواري بومدين الدولي كانوا قاصدين سوريا ومن ذلك تعرفوا على رقم هاتف منزلنا، وبمجرد وصول خبر اعتقال الأخوين والأخت إلى مسامعنا حتى خرج أغلب من بالدار وبقيت أنا وثلاثة إخوة آخرون لأني كنت أحسن وضعية من غيري إذ كنت أمتلك جواز سفر وبطاقة إقامة جزائرية وشهادة ترسيم بالجامعة الجزائرية وتأشيرة إلى إيطاليا تحصلت عليها من القنصلية الإيطالية بالجزائر يوم 30 مارس 1992.

وبت في تلك الليلة بالمنزل أنا وبقية الثلاثة وانا أحس بل شبه متأكد من وقوعي عندهم، صلينا المغرب ثم العشاء ولم نتعش عشاءنا، والقلق والحيرة بدت على وجوهنا، ولما أسدل الليل ظلامه، فنمنا باكرين غير متعودين على النوم قبل منتصف الليل، دعوت بدعاء النوم وقرات آيات الكرسي والمعوذتين ونمت بدون أرق…ولم افق إلا على صوت ينادي من باب الغرفة: قوم؟ فز؟؟ انهض؟ قمت مذعورا: ماذا هناك؟ فإذا باحد الإخوة يوقضني لصلاة الصبح…فصلينا الصبح ثم عدنا للنوم..ولكن هذه المرة قمنا مذعوورين (حوالي الساعة السادسة صباحا) على وقع دقات الجرس والطرق القوي بالباب:” افتح ؟ شرطة… حل الباب؟؟؟ فلبست ثيابي ووضعت جواز سفري والعملة في جيبي، اما الثلاثة إخوة فقفزوا من الشرفة وكنا بالطابق الأول وكانت البناية قديمة وعالية، فلم أشأ اتباعهم وأما أنا فبقيت أبحث عن حل غير القفز من الشرفة، وبعد قرابة الربع ساعة أو أكثر والباب كادوا يقتلعونه من شدة الضرب وهم يصرخون: افتح الباب شرطة…وكنا نخاف من قوات التدخل وقوات الدرك الجزائرية أكثر من خوفنا من البوليس التونسي…ولما اشتد غصب الشرطة وصارت تتهاطل علي عبارات خشينة تأمرني بفتح الباب…

ففتحت لهم الباب وما كدت أفتحه حتى هجموا علي بالكلاشنكوف والمسدسات ودعوني على الحائط ورعوا يدي إلى فوق وربطوني، وفتشوني تفتيشا دقيقا، ثم دخلوا وفتشوا كامل المنزل وسألوني عن أصحابي فقلت لهم أني أسكن وحدي..وهم يرددون لماذا لم تفتح الباب؟ قلت أخاف وظننتكم من البوليس التونسي؟ فأنزلوني إلى الأسفل وجاء رئيس مصلحة الأجانب بمجلس أمن الجزائر، فأمرهم بنزع المينولت من يدي وساقوني مشيا على الأقدام إلى مجلس امن ولاية الجزائر وكان يبعد حوالي 500 متر، وكنا نمشي بين الناس عاديين إلى أن وصلنا، وأدخلوني إلى زنزانة مكثت فيها يومين وفي اليوم الثالث أرسلوا إلي للتحقيق، وطلب مني رئيس مصلحة امن الأجانب العفو وقدم اعتذاراته عن العنف الذي تسببوه لنا في اقتحام المنزل، وقال لي بأنهم مطالبون بالبحث عن التونسيين من حركة النهضة ليطلبوا منهم الخروج من الجزائر لأن وضع البلاد الأمني لم يعد يحتمل وجودنا…

وبعد أن انتهى الكلام الديبلوماسي والسياسي، طلب مني أن أكون رجلا معه كما كان هو رجلا معي، فأخرج لي فتات ورق ممزق وألصقه إلى بعضه فبدت بطاقة إقامة جزائرية وعليها صورة..فقال لي هذه صورتك؟ قلت: نعم…قال: الاسم اسمك؟ قلت: نعم…قال:تاريخ الميلاد هو ميلادك؟ قلت: نعم…قال: البطاقة لك؟ قلت لا…فتغير لون وجهه وقال: الآن أصبحنا غير أصدقاء…وأنزلني إلى قسم الإجرام بالطابق تحت الأرضي، وقال لي تحمل مسؤولية إنكارك…

وفي قسم الإجرام ضربوني لأعترف بامتلاك بطاقة إقامة مزورة وإطلاعهم عن كيفية استخراجها، ولم يمكثوا في التحقيق معي كثيرا لأنهم يعلمون انه بالمال في الجزائر وقتها يمكن لك استخراج أي ورقة تطلبها، وأعدوا لي محضرا في تزوير أوراق رسمية جزائرية (بطاقة إقامة)، والحال أني كنت اشتريتها لاستكمال إعداد أوراق استخراج تأشيرة من القنصلية الإيطالية بالجزائر وكانت أهم ورقة تطب في ملف التأشيرة…تحصلت عليها بالطريقة “السوداء” مقابل قسط من المال…ونقلوني إلى حاكم التحقيق الذي رفض الملف وطلب مزيدا من الإثباتات والتحري مقابل إنكاري للتهمة، وفي المرة الثانية من إحالتي على قاضي التحقيق يطلب هذا الأخير مزيدا من الاثبات، وفي المرة الثالثة قرر حاكم التحقيق إحالتي على السجن ومن ثم المحاكمة…

وبعد حوالي أسبوع من الإيقاف أنقلوني إلى سجن سركاجي بالعاصمة الجزائرية، وفي الطريق إلى السجن سألني الشرطي المرافق لي ماهي قضيتك يا تونسي؟ فقلت له: كذا وكذا…قال لي: ألا تسمع بالنيف (الخشم) الجزائري؟ لا يقل هذا النوع من القضايا في تزوير وثائق رسمية عن 15 سنة سجنا لأنه يمس من هيبة الدولة…ولست أدري كيف صدقت ذلك الشرطي…ودخلت السجن وسلمت ادباشي على ان أخرج بعد 15 سنة من السجن…وفي محضر تسليم الأدباش وجد عندي العون خاتما من ذهب قبرقت عيناه على الخاتم فسألني لمن هذا قلت: اشتريته لأهديه لخطيبتي…فضحك وقال: عن أي خطيبة تتحدث؟ من يدخل هذا المكان لا ينبغي له أن يفكر في خطيبة وطلب مني أن أعطيه الخاتم فرفضت…ثم قال لي مرحبا بك في السجن الدولي بالجزائر، ادخل ويفرجها الله والغنوشي…وقال لي بأنه يحب الغنوشي…

ولما دخلت السجن في الليلة الأولى، خطب قائد الغرقة (الكبران) في كل المساجين (حوالي 150 سجين في الغرفة) وقال: ابتداء من الليلة ليس هناك تغيير في قنوات التلقزة غير القناة التونسية، اما علمتم أنه حل بيننا الليلة ضيف تونسي، فسكت الجميع…وكنا نخرج للساحة للاستراحة، وكان الشيخ الشهيد عبد القادر حشاني معتقلا هناك وكان يخرج لنا يده من الشباك وبمجرد ان يراه المساجين (حق عام وإسلاميون) حتى يتعالى التكبير والتهليل…

وحدد تاريخ الجلسة للمحاكمة بعد ستة أيام من دخولي السجن، دخلت قاعة الجلسة فدعاني بإسمي فوقفت فوقف بعدي محامي وقال أنه ينوبني، فتبسم القاضي، ولم أفهم ما سر ابتسامته، وسألني القاضي عن ملابسات القضية وذكر بأني أنكرت ما نسب إلي من تزوير لبطاقة إقامة جزائرية، فجددت إنكاري ثم احال الكلمة إلى المحامي الذي لا أعرف من وكله، وتوسط الأستاذ القاعة أمام القاضي وشرع في مرافعته التي كانت محاضرة في الوطنية والتاريخ والسياسة بين الدم التونسي والدم الجزائري في ساقية سيدي يوسف ووقوف التونسيين إلى جانب الجزائريين في حرب التحرير، ثم انتقل إلى الوضع التونسي وذكر القاضي بأطوار ملاحقة بن علي وزبانيته لأبناء حركة النهضة والقمع الذي يتعرض له الإسلاميون مما جعل هؤلاء يفرون من بلدهم تونس ليجدوا الجزائريين في استقبالهم وذكر القاضي بالخزي والعار الذي سبلحق بالجزائر دولة وشعبا لو صدر في حقي حكم، وظل المحامي يرافع ويزيد من الترفيع في صوته كلما زاد إطنابا في المرافعة وانا فاتح فمي أسمع وأتمتع بجمال ودسامة المحاضرة وليس المرافعة…إلى أن امتلأ القاضي وترجى المحامي بان يتوقف عن مرافعته…

وتبين فيما بعد أن الإخوة – جازاهم الله خيرا- وكلوا لي المحامي المشهور الأستاذ بشير مشري، محامي الفيس وضباط في الجيش أثناء الأزمة الأمنية، وهو ليس شخصا عاديا بالنظر إلى المحاكمات التي كان طرفا فيها، وبالنظر إلى الذين دافع عنهم، وجمع، أثناء الأزمة الأمنية التي اجتاحت البلاد، بين الدفاع عن شيوخ الفيس وضباط في الجيش…كان لي الشرف أن يرافع عني، وبعد أن خرجت وزرته في مكتبه وعرفت شخصيته ومكانته في الجزائر فهمت لماذا تبسم القاضي لما وقف الأستاذ البشير مشري للدفاع عني…

وبعد أن غادرت الجلسة ألحق لي الأستاذ البشير مشري بطاقة زيارته مكتوب من ورائها التحق بي بالمكتب لما تخرج، وعدت للسجن وما كدت أدخل غرفتي حتى نادوني بالخروج، وبعد إجراءات الخروج الإدارية وجدت نفسي امام السجن حرا طليقا في نفس يوم الجلسة حيث صدر الحكم بعدم سماع الدعوى وغرامة مالية مع تاجيل التنفيذ قيمتها 1000 دينار جزائري (100 دينار تونسي)، وغير بعيد عن باب السجن تقف سيارة صغيرة ما إن ابتعدت عن باب السجن قليلا حتى اقتربت مني السيارة وأصعدوني فيها، فإذا هي الشرطة وقدموا أنفسهم شرطة امن الجزائر، وقادوني إلى مقر مجلس امن ولاية الجزائر حيث بت ليلتي من جديد بنفس الزنزانة، وقابلت في الغد رئيس المصلحة من جديد الذي طلب مني أعود لهم كل صباح لمتابعة إجراءات خروجي من الجزائر، وطلبوا مني أن أطلب من قيادة النهضة باوروبا أن يرسلوا لي تذكرة السفر إلى روما بعد او وجدوا عندي تأشيرة إلى إيطاليا…

وفي كل يوم أزورهم بالمركز لأعلمهم بوصول التذكرة من عدمه وبعد يومين وصلت التذكرة، فذهبت لهم، وذهبت في سيارة صحبة عونين شرطة بزي مدني إلى نزل الأوراسي حيث مقر شركة الخطوط الإيطالية وهناك استلمت تذكرتي ثم منحوني يومين لأعد سفري، وفي كل مرة أركب معهم في السيارة تخبروني بأن أنزل رأسي عند سماع صوت كرطوش حيث كانت المناوشات المسلحة بين الإسلاميين وقوات الأمن قد بدأت، وكان البوليس الجزائري يتحدث معي كصديق وليس كمعتقل، وتحادثنا طويلا عن البوليس التونسي وكره البوليس الجزائري لبن علي وزبانيته… وفي صبيحة 2 ماي 1992 ذهبت لهم فاصطحبوني للمطار وأخرجوني من الباب الديبلوماسي ثم سلموني جواز سفري امام الطائرة وطلبوا مني أن أبلغ السلام إلى الشيخ راشد ودعوا لنا بالنصر…

هذا وقد كنت رتبت سفري على أن يصحبني في الطائرة كل من الأخوين إبراهيم الجويني وأحمد بالرحومة، حيث نزلنا بمطار روما وابتدات رحلة التغريب عبر مدخل اوروبا وهي مدينة روما..

الجزء الأول من 1967 إلى 1987: عشرون سنة في الحركة الإسلامية
الجزء الثاني من 1987 إلى 1992: خمس سنوات في السياسة
الجزء الثالث من 1992 إلى 2012: عشرون سنة في الهجرة

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *