نحو استقلالية اللجان الثقافية بداية من جانفي 2015

بعد شهرين وتحديدا في جانفي من السنة المقبلة 2015 سيتم تفعيل قرار حلّ اللجان الثقافية التي كانت في الماضي تتحكّم في النشاط الثقافي، فهي التي تمنح المستلزمات المالية إلى دور الثقافة وهي التي كانت تأمر وتنهى وتمنع ظهور كل من لا يروق لأصحاب القرار هناك. من بين المطالب التي رفعها الناشطون في المجال الثقافي بعد 14 جانفي هو التأكيد على إعادة النظر في اللجان الثقافية وهو مطلب وُصف بأنه معقول وضروري، فهذه اللجان كان يسيطر عليها الحزب الحاكم بشكل مطلق وإقصائي إذ يقصى عدد كبير من الكفاءات الثقافية في الجهات بسبب عدم الانتماء الى الحزب الحاكم أو لأنهم لا يحظون برضاء مسؤولي الحزب في الجهات، وهذا ما اعتبر عائقا حقيقيا أمام نجاعة العمل الثقافي بل اعتبره البعض مصدر نفور من دور الثقافة بما أنها أصبحت تُنعت بـ»دار شُعب»

تم التراجع، في مرحلة أولى، بعد الثورة عن قرار حلّ اللجان الثقافية بما أن دور الثقافة ليس وجود قانوني وهي نفس التعلة التي من أجلها تم بعث هذه اللجان، لذلك سوف يكون هناك قانون أساسي لدور الثقافة في جانفي وبالتالي استقلالية في الميزانية، لكن بشرط وهو أن يتدعم دور «مراقب المصاريف» الذي يجب أن يكون مطلعا وموافقا على كل ما يتم صرفه من مستلزمات وهذه معضلة أخرى سنعود إليها.

فلاش باك
لكن لنعد إلى التاريخ لفهم الحاضر، فهذه اللجان تعتبر من إنجازات دولة الاستقلال في عهد وزير الثقافة الشاذلي القليبي ومن خلفه، إذ هناك قوانين منظمة لعمل اللجان الثقافية وهي الأمر عدد 773 لسنة 1975 المؤرخ في 30 أكتوبر 1975 المتعلق بضبط مشمولات وزارة الشؤون الثقافية وكذلك الامر عدد 18 لسنة 1983 المؤرخ في 14 جانفي 1983 المتعلق بضبط تنظيم ومشمولات و تسيير اللجان الثقافية الجهوية والمحلية.

تمتلك هذه اللجان الثقافية التصرف المالي في دور الثقافة والشباب الراجعة إليها بالنظر اذ أن وزارة الثقافة تضع مباشرة في حساباتها مبالغ مالية لتمويل الملتقيات الصغرى والإنفاق على نشاطها ويكون مدير دار الثقافة هو نفسه الكاتب العام لهذه اللجان بعد رئيس اللجنة الثقافية.

وبال البيروقراطية

في جانفي وبعد أن يتم تفعيل الاستقلالية القانونية والمالية لدور الثقافة سيبرز دور مراقب المصاريف العمومية الذي يتطلب عمله حسب القانون ثلاثة نظائر من «وثيقة التقديرات المالية» أو ما يطلق عليه باللغة الفرنسية (devis) للنشاط الثقافي المزمع القيام به. هنا يجب أن نشير، حسب سؤالنا لمديري دور الثقافة، أنه في كل عملية صرف والتي ستحتاج الى إجراءات إدارية معقدة ستكون النتيجة، دون أدنى مجال للشك ،إعاقة تنظيم أي تظاهرة ثقافية بما أنه يجب موافقة مسبقة مع التثبّت من النشاط الذي سيقام.

العمل الثقافي بالذات قد يتطلب مصاريف حينيّة فكيف سيكون التعامل مع الظرف الطارئ؟ ثم كيف سيتم احتساب مصاريف العروض المسرحية مثلا أو المعارض التشكيلية أو عروض السينما؟ هل ستكون هناك لائحة ضبط كل عمل فني حسب الاختصاص؟ كلها أسئلة تخامر أذهان من له علاقة بمجال التسيير المباشر لدور الثقافة.

المقترح الذي استخلصناه عقب سؤالنا لبعض المعنيين بهذا الأمر هو تخصيص محاسب لكل ثلاث أو أربع دور ثقافة ليتولى هو الإشراف على الأمور المالية لكل دار ثقافة، يبقى هذا مجرد مقترح من أحد المسيرين.

كما أجمعوا أنه يجب إيجاد صياغة مرنة في التعامل مع دور الثقافة بما أن التصرف في المال العمومي في النشاط الثقافي بالذات له خصوصية إذ كيف يعقل أن يحيط مراقب المصاريف الوحيد الموجود مثلا في تونس الكبرى من الالمام بنشاطات 24 دار ثقافة ومراقبة المصاريف التقديرية لمختلف ما تقدّمه كل دار ثقافة.

هذا بالإضافة إلى أن هذا القرار قد تكون نتائجه سلبية بما أن البيروقراطية التي تعاني منها مختلف شرائح المجتمع ستحول دون النظر في ما هو ضروري وحيني لان كل مدير دار ثقافة سيضطر في كل مرة وينتظر لأسابيع من أجل شراء الورق مثلا أو اصلاح شباك او حتى خلاص أجر الضيوف.
وحديثنا هنا ينحصر في دور الثقافة الفاعلة في المشهد الثقافي إذ هناك عدد لا بأس به من هذه الدور خاصة منها في الجهات الداخلية التي لا تمتلك نشاطا ولا برنامجا واضحا.

نحو استقلالية تامة
نذكر أيضا أنه في ذات السياق هناك مؤسسة وطنية وهي الوكالة الوطنية للتراث والتنمية الثقافية التي تنفق على التظاهرات الثقافية الكبرى منها مهرجانا قرطاج والحمامات وأيام قرطاج المسرحية وأيام قرطاج السينمائية وأيام قرطاج الموسيقية مما يولد مشهدا ثقافيا تونسيا سيحتوي على دور ثقافة مستقلة إداريا من جهة لكن مصاريفها تبقى رهينة «مراقب المصاريف» ووكالة التراث والتنمية الثقافية والتي لها الاستقلال المالي والإداري.

فهل هذا هو المطلوب في هذه المرحلة لتحسين العمل الثقافي؟ يتجه الظن أنه على جميع الأطراف المعنيّة أن تجتمع مرة أخرى من أجل تباحث كيفية عمل مراقب المصاريف الذي يبقى دوره ضروريا بما أن مال المجموعة الوطنية يجب أن يخضع إلى إشراف ورقابة حتى يكون توزيعه حسب القانون لكن مع كل ما ذكرنا سيكون الحل إما في انتداب مساعدين لمراقب المصاريف للإلمام بمختلف حاجيات دور الثقافة أو ايجاد صياغة أخرى أكثر مرونة ستثبت الأيام القادمة ماهي بالضبط.

المصدر: جريدة المغرب

2 تعليقات

  1. المهدي بن حميدة

    جيد ممتاز

  2. المهدي بن حميدة

    هذا شيء جيد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *